"خاتم حطي" هي أولى أغنياتي التي حظيت بالنجاح
لو فرض عليَ "تاج اغنية التقري" لمنحته لإدريس محمد علي
فترات السجن كانت اصعب لحظات حياتي
"الجبهة" حكمت علي بالإعدام نتيجة وشاية !
"لوبينت "هو الشاعر الوحيد الذي يعبر عن دواخلي
حاوره في اسمرا :- أبوبكر صائغ

الفنان الكبير الأمين عبد اللطيف ، حدثنا عن الطفولة والدراسة وكيف تفتحت لديك الموهبة الفنية؟

في الحقيقة البدايات بالنسبة لي صعبة..وصعوبة البدايات تكمن في إنى كبرت يتيماً في اسرة دينية محافظة ،حيث توفي والدي ولم يتجاوز عمري ثلاثة أعوام ولذلك واجهت ظروف صعبة عند بدايات حياتي بشكل عام، والدي كان يعمل ممرضاً في المستشفيات الحكومية وبحكم العمل كان يتنقل من منطقة الى أخرى ،ولدتفي مدينة قندع وبعد شهور من ولادتي إنتقلت الأسرة الى أسمرا وسكنا في منطقة (أباشول).. في بدايات سنوات الطفولة كنت أتلقى التعليم الديني في

الخلاوي، ثم التحقت بمدرسة إبتدائية حكومية بالقرب من (مدبر )و في الفترة المسائية كنت أدرس في المعهد الديني بآسمرا. بينما تلقيت التعليم المتوسط والثانوي بمدرسة الجالية العربيةبأسمرا . أما فيما يتعلق بهوايتي الفنية لا أدري كيف تكونت ولكن كنت أستمع بأستمرار الى الإذاعة السودانية، وكنت استمع

لروائع كبار المطربين السودانين أمثال الفنان الكبير / أحمد المصطفى وسيد خليفة وحسن عطية وغيرهم من الفنانين الكبار في السودان ، وكنت أحفظ أي أغنية إستمع اليها ثم أقوم بترديدها بأستمرار ، وخلال الفترة التي عملت فيها معلماً بمدرسة الجالية الإرترية بآسمرا كنت أقوم بتلحين الإناشيد للطلاب ومن هذه المرحلة بالتحديد بدأت إكتشف مواهبي الفنية وفكرت جدياً بصقلها .


في بداياتك الفنية هل كنت مقلدا للأغاني التراثية أو الخاصة بفنانين آخرين ام بدأت مباشر بأعمالك ؟

وفي السابق كانت هناك في معظم أحياء أسمرا جمعيات ثقافية تابعة للناطقين بلغة التقري وتلك الجمعيات كان يطلق عليها ((ربعت)) و كانت عبارة عن فرق شبابية، يجتمع فيها الشباب من الجنسين في مكان ما ويغنون ويرقصون ونحن كنا صغار وقتها وكنا معجبين برقصاتهم وأغنياتهم،وكنت احفظ منهم مايرددونه من اغنيات قديمة بلغة التقري لفنانين كبار امثال الفنان / إدريس ود أمير وعجولاي وكماجنا ، وفي حينا أى ((اباشاول)) كانت هناك ((ربعت)) وآيضاً كانت هناك ((ربعت))في حي ((فروبيا)) وحينها كنا نردد اغنيات تراثية رائعة لم اسمع حتى الآن مثيلة لها ولا اعتقد بان هنالك شاعر ما في وقتنا الحاضر يمكنه كتابة كلمات عاطفية جميلة مثل ما كانت تقدم في تلك الايام كلمات تنبع من القلب وتؤثر على كل من يستمع اليها أمثال كلمات الفنان ود أمير وكنت احفظ تلك الاغنيات.وفنانين أمثال ودأمير وعجولاي وكماجنة كلماتهم، كانت رائعة ومؤثرة لأنها كانت صادقة لأنهم عايشوا الحب بأحساسيهم وكانوا معبريين صادقين عن مشاعرهم وهمومهم وأشجانهم ، لذلك اودأمير وعجولاي لم يتزوجوا لأنهم فقدوا محبوباتهم وكذلك كماجنا ، وكلماتهم نابعة عن معاناتهم في دنيا الحب ..وشخصيا بدأت مشواري مقلدا لتلك الاغنيات والذين إستمعوا لي آنذاك يقولون انني كنت مقلد ناجح.


حدثنا عن أول أغنية خاصة بك وعن مدى نجاحها وتأثيراتها على المستمعين؟

من حسن حظي أنني نجحت في أول أغنية غنيتها وهي من كلماتي والحاني وإسم الأغنية هو((خاتم حظي زابيكو)) وإعتقد إنني كنت موفق في الكلمات ولكنني لم اكن موفق في اللحن .. ورغم ذلك نجحت الأغنية والمفارقة انني عندما كتبت وغنيت تلك الأغنية بالتجري لم يكن في بالي أن القبائل الناطقة بالتقري كانت تقدم لدي الخطوبة قطعة من الذهب تعلق في الصدر يطلق عليها ((الحمر)) عكس القبائل الأخرى التي تقدم (الخاتم او الدبلة ) ومن قبيل الصدفة انه وفي تلك الأثناء كنت على وشك الخطوبة من فتاة كانت تسكن بجوارنا في الحي ورغبتي كانت لو تمت الخطوبة سوف أشتري خاتم للخطوبة بدلاً عن ((الحمر)) ..وفعلاً إشتريت خاتم الخطوبة ((الدبلة)) ولكن أهل الفتاة رفضوا طلبي، ، وأدعوا أنها مخطوبة ، حينها كتبت الأغنية : "خاتم حطي زابيكو--- إقل من هبا يأمركو---.ظبطت بيلوني--لولت لأقلى حريكو".

هذا يعني أن كلمات أغنية ((خاتم حطي زابيكو)) تنبع من قصة حقيقة؟

فعلاً حين كتبت كلمات تلك الأغنية كنت أرغب في الزواج من تلك الفتاة وكتبت الكلمات تجسيداً لتلك الحادثة ولكن ذلك لا يعني أن كل تفاصيل الأغنية حقيقية او مطابقة للواقع والشاعر أحياناً يبالغ في الوصف من أجل حالة إبداعية معينة تتملكه.

ولكن هل يمكن اعتبار ذلك وجود قصة حب حقيقية بينك وبين الفتاة التي رغبت في الزواج منها ؟ وهل كانت تبادلك الحب ؟

في هذا الموضوع هناك حقائق يجب أن أقولها وهي أن تلك الفتاة كانت جارتنا وكنت أشاهدها في الحي فقط ولم التقي بها قط ولم يكن بين وبينها أي علاقة حب أو حتى معرفة عادية كل ما في الامر انني كنت معجباً بها ولذلك قررت خطوبتها ولكن قيل لي بأنها مخطوبة، و لوجود حساسية معينة في تناول هذا الموضوع دعني استرسل واقول ذلك لاول مرة خاصة في ظل وجود عوامل كثيرة تجبرني للحديث. وكما ذكرت كان من المفترض أن تنتهي قصتي بمجرد فشل مشروع الخطوبة ، ولكن إعجابي بتلك الفتاة كان مصدر إلهام لأغنيات كثيرة حيث مثلت دور الملهم لي في تجربتي الفنية. وأقول لك الان وبكل شجاعة ان ذلك سبب لها الكثير من المتاعب لأن المتلقي كان يربط بين ما اقوله في اغنياتي وبين تلك القصة المفترضة التي لم تتعدي الإعجاب عن بعد ! واتذكر الآن أن شيطان الشعر قد زارني في فترة زواجها وسفرها فكتبت ابيات شعرية

أذكر منها :.

إتنسيا لأعمل لأقلي بقسكي

عدكي مطكوا إقل إسالمكي

عنكي بكيت وأستنتنت كبدكي

إقل إتهاقي أدام على خجلكي

إسلامت شوكن قِدِم دحن لهبكي .

هذا الكلام لم يحدث في الواقع وغنيت هذا المقطع في إحدى أغنياتي ، ويؤلمني جداً وأنا في هذا العمر أن أقول لك وبكل صراحة يؤلمني الكلام الذي
كتبته في هذه الفتاة ، وكان مجرد خيال شاعر إنعكس على الواقع ولبس ثوب الحقيقةوتفاعلت معه الناس وأكتشفت لاحقا حجم الألم الذي سببته لها .
خاصة أنها تزوجت وخلفت، واذكر في عام 1996م،حدث معي حادث غريب وهو إنني كنت مريض وطريح الفراش في إحدى مستشفيات لندن، لإجراء عملية جراحية ، و حضرعندى فى إحدى المرات أحد الطلاب الارترييين الذين يدرسون في القاهرة وجلس جواريوقال لي يا أستاذ الامين نحن نستمع لأغنياتك بأستمرار وكل الطلاب معجبين بأغنياتك

إلا إثنين فقط لا يطيقون أغنياتك فقلت له أمر طبيعي جداً أن اشبع رغبات كل الناس إلا أنه أضاف لي أمر مذهل عندما قال " الذين اعنيهم هم الذين تغزلت انت في اغنياتك بأمهم " .. حقيقة ذهلت وشعرت بألم شديد وقلت في نفسي ياترى هل إرتكبت جرم في حق هذه السيدة !

وأتمنى أن يقرأوا أبناءها هذا الكلام ويفهموا القصة وأقول لك أستاذ أبو بكر بصدق لم أجد الفرصة المناسبة لأقول هذا الكلام إلا عبر هذا الحوار وكم مرة تمنيت لو زرت القاهرة خلال تلك الفترة لبلغت الرسالة الى من يهمهم الأمر مباشرة .

ماذا كنت تريد ان تقول لهما ؟

كنت سأقول لهما هذا الكلام مجرد شعر فقط ولاعلاقة لي معها ، و لا أساس على أرض الواقع والأغنيات التي كتبتها كانت مجرد خيال فني لا أكثر

بعد أغنية(خاتم حظي زابيكو) والغناء في الحفلات التي كانت تقام في الأحياء،متى التحقت بفرقة اسمرا الفنية؟

بعد ان نالت أغنية (خاتم حظي زابيكو) الشهرة التحقت بفرقة أسمرا الفنية وكان ذلك في عام 1962م،واستمرت المسيرة و توالت الاغاني
الجديدة التي كنت أتغنى بها حتى اليوم ، وأتمنى في ختام مسيرتي الفنية أن اقدم عملا بمثابة "مسك الختام" لتجربة امتدت لعقود طويلة .

حدثنا عن بدايات تكوين فرقة أسمرا الفنية؟والاحوال التي كنتم تعانون منها؟

أولاً أنا التحقت بفرقة أسمرا الفنية عام 1962م،ووجدتها مؤسسة أصلاً وكان بها عدد 22 شاب معظمهم من المعلمين والفرقة تكونت على أطلال فرقتين سبقوها وهما فرقة(ماتدي)التي تأسست عام1956م،وفرقة "ممهل " بين عامي1958و1959م،أما فرقة اسمرا الفنيةتأسست عام 1960م،من 18شاب أغلبهم معلمين إستاجروا منزل في شارع (أنسو ما تنسو ) سابقا ،
والفرقة حين تكونت بدأت عملها بألالات قديمة،وكل واحد أحضر الالة الموسيقية التي يملكها،وبدأت تخطو خطوات ملموسة نحو التطور وبدأنا نقدم عروضنا في سينما أوديون بدلاً عن سينما آسمرا، وشهرتها عمت كل أرجاء الوطن وتفاعلت الجماهير مع العروض التي كنا نقدمها لما كانت تقدمه من أعمال فنية راقية كانت تشكل ملاذاً لكل الإرتريين وخاصة بعد إلغاء النظام الفدرالي وإعلان ضم إرتريا لإثيوبيا،حيث كانت صدور الناس تغلى نتيجة لتلك الأفعال والممارسات.

ما هي دواعي تكوين فرقة اسمرا الفنية؟ وهل فرقة اسمرا الفنية كانت قادرة فعلاً على منافسة الفرقة الفنية الكبيرة والمجهزة من كل النواحي والتي كانت تأتي من أديس أبابا؟

طبعاً تكوين تلك الفرقة لم يأتي من فراغ والأسباب التي جعلت القائمين على أمر الفرقة تكوينها كثيرة منها الغزو الثقافي الذي كانت تتعرض له البلاد في تلك الفترة ، فمثلاً المنخفضات الإرترية كانت تتعرض لتأثير الفن السوداني والمرتفعات عامة وقعت تحت تأثير الفن الاثيوبي، ومن دواعي تكوين تلك الفرقةأيضاً هو إحياء التراث الغنائي الإرتري وللحد من التأثير الثقافي الذي كان يأتي عبر الحدود السودانية والإثيوبية ، ،وقد ساهمت الفرقة الى حد كبير في انجاز مهامها ،خاصة وان تفاعل الجمهور الارتري معها هو الذي مكنها من الاستمرار والمنافسة ،ومثال على ذلك في عام 1966 ،قامت الفرقة بجولة شملت كل الاقاليم الاثيوبية وفي السابق جولاتها كانت تقتصرعلى إرتريا فقط،وتبلورت فكرت إقامة حفلات في إثيوبيا لدى القائمين على أمر الفرقة،وتم التخطيط لها جيداً،والمسؤولين عن الفرقة وقتها كانوا أقوياء جداًولذلك أرسلوا مندوب بأسم الفرقة الى إثيوبيا،وهذا المندوب بدأ جولته في إثيوبيا أولاً بدأً من مدينة مقلي وإتصل بالسلطات وحجز مسرح لأقامة حفلة الفرقة عليه،ثم مدينة دسي ،ثم إديس أبابا ثم الى دريدوا والمدن الاخرى قبل الرجوع عن طريق قوجاب والمدن الاخرى نحو اسمرا.
وبدأت رحلتنا من أسمرا وتوجهنا الى مقلي ومدن أخرى حتى أديس أبابا،وقد استقبلنا أكثر من الف شخص من الإرتريين المقيمين في أديس أبابا قبل دخولنا أديس بحوالي خمسين كيلوم متر، وهو استقبال غير مسبوق..
كان شيئاً ملفت للأنظار، وما قدمته الفرقة على المسارح الاثيوبية كان شيئاً رهيباً ..
وفي تلك الأثناء إلتحق بالميدان المئات من الطلاب الإرترين من داخل أديس أبابا وأذكر حتى اليوم حين أقابل السيد وزير الخارجية/عثمان صالح يقول لي لولا مجئ فرقة اسمرا الفنية الى أديس أبابا لما خرجنا الى الثورة في ذلك التوقيت .. ومجئ الفرقة الى اديس ابابا عجل بالتحاقنا بالميدان .

ما بين الفن والتعليم أوجه شبه كثيرة،حدثنا عن مرحلة التدريس وظروف التوظيف،ثم تركك للمنصب قبل عودتك اليه مرة اخرى ؟

الفن والتدريس حقيقة بينهما أوجه شبه كثيرة،والتدريس هو بحد ذاته جزء من الفن ولكن الفن في بلدنا في تلك الأوقات كان يعتبر خطأ بشري فظيع،وانا للآسف الشديد عانيت في التدريس بسبب الفن . فحين أكملت الثانوية العامة وقبل الإلتحاق بالتدريس عملت في داخل أديس أبابا ككاتب للعمال ،لأننى أجيد اللغة الإيطالية لدراستى لها سلفاً في إرتريا،وقضيت لمدة عامين في إحدي المؤسسات التي كانت تابعة لإيطالي ،وبعد رجوعي من أديس أبابا الى أسمرا كنت أبحث عن عمل وسمعت بأن مدرسة الجالية العربية في حاجة الى مدرسين وسوف تجري إختبارات الاختيار،وتقدمت بطلب للأشتراك في الاختبار،والحمد الله نجحت فيه، وتم تعيني ،كمعلم إبتدائى،وكان حينها الاستاذ محمد محمد البنا،(مصري الجنسية) مديراً للمدرسة و متفهماً لهوايتي الفنية لأننى شرحت له في إحدى المرات طموحي ورغبتى في الاشتراك مع فرقة أسمرا الفنية وشجعنى الرجل ووقف بجواري وقال لي إشترك في فرقة أسمرا الفنية لأن الفن هو جزء من رسالة التعليم، بل ان هذا الأستاذ الجليل/ محمد البنا كان يحضر في وسط الجماهير في سينما أسمرا لمشاهدتي وتشجيعي،وبعد أن أوقفت الحكومة
الأثيوبية جميع الأجانب من إدارة أي مؤسسة،غادر البنا متوجهاً الى بلده.
وجاء بعده مباشرة مدير إرتري هو الاستاذ / محمد عثمان قسم الله،وهذا و بدلاً من أن يشجعنى في الفن ويشد من أزري إستدعانى وقال لي: لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تدرس بالنهار وتغنى وترقص بالليل،وقال عليك الإختيار بين التدريس أو الفن،
حاولت اقناعه بأنني لم أقصر في عملي ووظيفتى،وقدمت شكوى لادارة التعليم لان المدرسة كانت تعتبر مدرسة أهلية ،وإدارة التعليم كتبوا خطاب قالوا فيه إن فرقة اسمرا الفنية بها عدد كبير من المعلمين والفن جزء من رسالة التعليم، إلا أن المدير رفض الخطاب وقال لي:إما أن تكون معلما ملتزم أو أن تكون فنان ملتزم، واخترت الخيار الثاني مجبرا .
وبعد رحيل قسم الله من ادارة المدرسة استدعاني خلفه الاستاذ / حسن محمد بامشمس ، وطلب مني العودة معززاً مكرماً لمهنة التدريس ،وبقيت فى المدرسة حتى عام 1970.
والمفارقة الثانية أنني التقيت بالاستاذ / محمد عثمان قسم الله بعد التحرير وذلك بعد أن نال درجة الدكتورة ، وقلت له لماذا طردتنى من المدرسة في عهدك؟بينما الأجانب كانوا يشجعونني.قال لي بكل عنجهية لو كنت الان مديرا المدرسة وكنت أنت تغنى لطردتك من المدرسة.وهذا كان موقف
غريب جداً منه.

بعد أغنية((خاتم حظى زابيكو))التي مثلت ارهاصة البداية توالت الأغنيات ماهي أهم الاغنيات التي غنيتها خلال تلك الفترة؟ وهل تعاملت مع شعراء وملحنين في تلك الفترة المبكرة ؟

للآسف الشديد لم يكن لدينا اي شعراء لأغنية التقري خلال تلك الفترة،الفنان بأجتهاده الشخصى هو الذي يكتب الكلمات ويضع لها اللحن المناسب ثم يغنيها للجمهور،وفترةالستينيات كانت خصبة بالاغاني ، ومن الاغاني التي قدمتها. والتي كانت ناجحة، أغنية((أقبلينى سراى أقبلينى))وقد أعجبوا بها الفنانين الاثيوبين،فأحتفظوا باللحن مع تغيير الكلمات وفي ذات الفترة قدمت أغنيات كثيرة منها مثلاً أغنية((أقبلينى سراي-انا لبي بقوها-يحميكيني،-إتنسينى)) أغنيات كثيرة قدمتها وكانت ناجحة ونالت رضا واستحسان الجمهور.
وفي بداية 1963م كل أعضاء فرقة أسمرا كانوا ملتزمين بحركة تحرير إرتريا ،والأدارة كانت تدعوا كل الفنانين لتضمين بعض الرموز والإيحاءات الوطنية داخل الاغنية.
بل أن الفنان الكبير/ اتو برهان سقيد كان يثور عندما كنا نغنى أغنيات عاطفية

ويقول إلى متى ستغنون لحبيباتكم !
وفي تلك الأثناء كتبت كلمات أغنية((إلا ما تحلفنيتو قبئ))وكذلك جزء كبير من
كلمات اغنية((أنا لبي بقوها))كان بها عبارات سياسية ،وكان هنالك تخوف من الرقابةوالأجهزة الامنية الأثيوبية.
ومنذ عام 1963م بدأت أغني بلغتين وهي التقري والتقرنية،وسبقنى بالغناء في فرقة اسمرا الفنان الكبير/جابر محمود،الذي كان يقف معي دائماً ويقدم لي النصائح ويصحح لي كلمات اغنياتي لأنه كان يجيد لغة التقري أكثر مني،أما كلمات اغنياتى بلغة التقرنية كل الفنانين الناطقين بلغة التقرنية كانوا يتعاونون معي فيها.

"فاطمة زهرة " تمثل "كلمة السر" في تجربة الامين عبد اللطيف فما هي القصة الحقيقية وراء الأسم والحكاية / الغنوة ؟!

أحب ان أحدثك في هذه السانحة عن أغنية فاطمة زهرة،وتلك الاغنية لم تكن متكاملة كما قدمتها للجمهور،ففي عامي 1964،دعيت لأحياء حفلة عرس في مدينة أغردات،وكان معي في تلك الحفلة الفنان الكبير / جابر محمود والفنان/عبد الواحد على صالح وكان معنا أيضاً فنان من تسنى كان يجيد العزف على العود لا أتذكر إسمه الأن. والجمهور هناك كان ينتظر سماع إغنيات الامين عبد اللطيف رغم وجود فنانين كبار معي وهذه ليست مبالغة.. فقد كانوا يرددون أسمي قبل خروجي على المنصة ولاول مرة شعرت بالخوف على ،وغنيت أغنيات كثيرة ،وتفاعلت الجماهير معي وشعرت بأرتياح شديد.
،وقبل أن نغادر اغردات في اليوم التالي حيث كان ينبغي ان اعود الى اسمرا جاء الى الفندق بعض المسؤولين في مدينة أغردات،أذكر منهم مدير المدينة ومدير الشرطة وأخرون كثر ،
وطلبوا مني البقاء ليوم أخر ، وأعربوا لي عن استعدادهم للأتصال بإدارة المدرسة للسماح لي بتمديد فترة بقائي في أغردات لأنهم يرغبون في احياء حفل خاص لهم
ولذلك تخلفت من زملائي في أغردات وفي المساء بدأت الحفلة وكنت سعيداً لأننى كنت الفنان الوحيد في الحفل.
وأثناء تأديتى لأحدى الأغنيات شاهدت فتاة تدخل الى الحفل وجلست وسط الفتيات،كان جمالها ملفتا وآخاذا ،الى درجة أنها قد سرقت مني اهتمام الجمهور ، وحين وصلت الى جوارها وأنا أغنى،كان غطاء شعرها قد سقط على كتفيها، فنبهتها إحدى صديقاتها قائلة ":فاطمة زهرة((لبسي)) أي ألبسى شعرك، وهذه الكلمة شكلت بداية أغنية "فاطمة زهرة"،وحين سمعت هذه الكلمة قلت مباشرة في وسط الاغنية التي كنت أغنيها المقاطع التالية:

أنا إت كرن تلهيكو وإت أسمرا--وديب باطع تهليكو ومندفرا

إت أغردات تلهيكو وأباررا ---إت سني تلهيكو وكسلا

تماثلكي إر إيكو فاطمة زهرة

تماثلا إر إيكو فاطمة زهرة......إنجح مثل أنيابا إندى كاترا

محاوتا ملؤتُ لبيى سطر .. "

وفجاة شاهدت الفتاة تغادر الحفل،!

وبعد انتهاء الحفل بدقائق وجدتني قد بدأت أكتب الكلمات الأولى لاغنية "فاطمة زهرة" ..

سما فاطمة زهرة.......بعل شامكي حوانيتى كرا

حكوكي موتا وإن قبرا.......مالي مسي إت عينت أشاشرا

أدامي ديب شيخ أبا سرا.....وشيخي تشبحتيت كرا

وبيلا أمر إستر.........شاماتا عاجمت صابرا

فتيها ديب لبو صورا

بيلا شيخي أب جعفرا....سمان يوم تحطب من دقلا

حمس يوم أدور من جفرا.......ثلث يوم تهاجك إت جفرا

إليت لدوي لاقلو ذكرا..........الامين حقو ديبكي كرا

حكو إلا توبا وأستغفرا

قبل ان تأخذ الاغنية ابعادا اخرى وهو الايحاء السياسي الذي فهمه الجمهور والتزمت به انا لاحقا من خلال اغنيات " فاطمه زهرة 2 – وفاطمة زهرة 3 " بينما في بداية الأمر لم يكن هناك اي علاقة لفاطمة زهرة بقضية الوطن .

أشرح لي كيفية خروجك من إرتريا وقرار إلتحاقك بالثورة وماهي أول أغنية غنيتها بعد التحاقك بالثورة؟

خلال سنوات نهاية الستينات وبداية السبعينات كان الوضع صعبا للغاية لفناني ارتريا وشخصيا إعتقلت وسجنت عدة مرات بدءاً من عام
1963م، وحتى لحظة خروجي من إرتريا كنت مطارداً من سلطة الأحتلال وسجنت سبعة مرات متتالية.وبعد كل أغنية جديدة كنت إعتقل وأسجن وأغنياتي كانت تؤول ، وكان آخر سجن سجنت فيه فهو سجن مصوع، وبعد ذلك قررت وأنا في داخل السجن الخروج من إرتريا والإلتحاق بالثورة وكان ذلك في أوائل عام 1974م، وحين خرجت من السجن سافرت إلى أديس أبابا ومنها غادرت إلى السعودية للحج.

وفي هذه السانحة أرغب في شرح شيء ما لم أتحدث فيه من قبل وأرجوا أن يفهمني الجميع ، وهو إننى أصبحت معرضا للقتل والتصفية من قبل الثورة وبالذات من قبل تنظيم جبهة التحرير الإرترية، حيث حصل التباس ما في موضوع معين وإننى لم أتوقع يوماً ما بأننى سوف أكون هدفاً للثورة تحت ذريعة إننى جاسوس!

حيث حكمت عليّ الجبهة بالقتل.

والقصة هي أنني في إحدى المرات وبعد إحياء حفل فني في”مقلي عام 1972م”إستدعاني حاكم مقلي وهو” راس منقشا سيوم”وخيرني بين أن أخذ بغل أو مسدس كهدية لي نتيجة لأعجابه بي فقط، وقررت قبول المسدس كهدية منه بدلاً عن البغل ..،وإستلمت منه المسدس، وبسبب المسدس حكم عليّ بالقتل من قبل تنظيم إحترمه وأحبه وإنتمي اليه وهو جبهة التحريرالأرترية.. وكانت تلك اقسى لحظة !

وبعد دخولي الميدان عرفت الأسباب وكلها كانت مجرد وشاية ليس إلا ، والمسدس في تلك الاوقات كان لا يحمله إلا مسؤولي الحكومة الاثيوبية أو تجار ، وغيرهم من يحمل مسدس يعتبر جاسوس.هذا الإلتباس جعلني عرضة للقتل حيث حكمت عليّ الجبهة بالإعدام بعد أن إعتبروني جاسوس إثيوبي.
وبمجرد مغادرتي إرتريا التقيت بمسؤولين من قوات التحرير الشعبية في جدة ،

وأوائل عام1975م، قابلت المناضل الشهيد/ عثمان صالح سبي في مدينة الكويت وطلبت منه تسهيل أمر دخولي وسفري الى السودان وفعلاً ساعدني في دخول السودان،و في الخرطوم قابلت أيضاً المناضل/ حمد كلو الذي كان أول شخصية جبهجية أقابلها وسهل لي أمر دخولي للميدان، ودخلت الى الميدان وقابلت عدة مسؤولين في الجبهة على رأسهم المناضل/ إبراهيم توتيل، وهدفي من دخول الميدان كان شرح موقفي لهم ،والحصول على البراءة من الإتهام والحكم الذي أصدرته الجبهة بحقي.وبعد عدة رسائل متبادلة بين”عليت”الذي كان به مركز القيادة والميدان،إتضح لهم إن كل الكلام الذي قيل بحقي كان مجرد أكاذيب وفتن، وحصلت على براءتي وبدأت أنتقلبحرية في الميدان ثم خرجت من الميدان، والحمد لله إنني خرجت من إرتريا قبل أن يصطادوني الفدائيين كجاسوس علماً إنني حين كنت في إرتريا كنت أتمتع بعضوية عاملة في الجبهة.
.وبعد خروجي من الميدان إنضميت الى قوات التحرير الشعبية وكنت أنتقل بين الإعلام وقسم المراسلات.أما بخصوص أول أغنية، إنني سجلت شريط كامل به أغاني وطنية أثناء مساعي الوحدة بين الجبهة وقوات التحرير الشعبية وبعد فشل تلك المساعي.والشريط كان من كلماتي والحاني والعازفين كلهم كانوا سودانيون.

شعراء غنيت لهم وأخرون تتمنى أن تغني لهم؟

طبعاً أنا غنيت بلغتين وهي التقري والتقرينة، بالنسبة للتقرنية غنيت للشاعر الكبير /نقوسي هيلي منسعاي وهو شاعر مبدع وموجود الآن بألمانيا، أما بالنسبة للغة التقري وخلال وجودي في فرقة أسمرا الفنية غنيت للفنان/ جابر محمود،وبعد خروجي من إرتريا ووجودي في السعودية غنيت للشاعر/ رمضان قبري وأيضاً غنيت للشاعر/ محمود لوبينت،
أما شعراء أتمنى أن أغني لهم الآن، لو وجدت الكلمات المناسبة أتمنى أن أغني لكل الشعراء، كما أتمنى أن أقابل الشاعر /محمود لوبينت لأغني له، لأن محمود لوبينت هو الشاعر الوحيد الذي يعبر عن دواخلي ويكتب بكلماته كل الذي أرغب في قوله شعراً وغناءاً.

غنى الفنان السوداني محمد وردي أغنية إرترية بلغة التقري حدثنا عن تلك الأغنية، وعن علاقاتك بالفنان/ محمد وردي؟

الفنان الكبير/ محمد وردي طلب مننا أغنية إرترية بلغة التقري لكي يغنيها وقدمنا له عدد من الأغنيات التراثية وإختار منهن أغنية((ولت كرن طعداتا)) وقال هذه هي الأغنية المناسبة لي،وقام بتوزيع موسيقاها وأدخل تعديلات في لحنها حتى تناسب إسلوبه الغنائي.وتربطني بالفنان الكبير/ محمد وردي علاقات قديمة تعود لفترة الستينيات من القرن الماضي حين حضر الى آسمرا، وطُلُب مني أن أكون مرافقاً له في كافة جولاته في إرتريا لكي أترجم له وأقدم له برامجه.وسافرت معه الى عدة مناطق منها آسمرا وكرن ومصوع،وخلال جولاتي الخارجية كنا نتقابل في الخارج وخاصة في بريطانيا وأمريكا.وعلاقتي بالفنان / محمد وردي علاقات متأصلة ومتواصلة وتربطنى به صداقة حميمة.

أغنية ترددها دائماً وفنان تستمع له؟

من فناني لغة التقري أستمع دائماً وبإستمرار للفنان الكبير/ إدريس محمد علي وكذلك الفنان/ أحمد ود الشيخ وكذلك الفنان/ إبراهيم قورت، وهولاء كلهم مبدعين وكلماتهم رائعة والحانهم جميلة وبشكل خاص إستمتع بالألحان الجميلة والكلمات الراقية والقوية التي يتغنى بها الفنان/ إدريس محمد علي في إغنياته الغرامية.

بصراحة لو طلب منك أن تسلم تاج أغنية التقري لأحد الفنانين ، لمن تعطي التاج؟

يجيب ضاحكاً:- أنا لأ إمتلك هذا التاج أولاً، واليوم لدينا عدد من الفنانين الذين يمتلكون مقدرات فنية كبيرة وقلت في أكثر من مرة إنني تربيت وكبرت في منطقة لا تتواجد فيها لغة التقري بشكل كبير، إعتبر لغتي التقرية ركيكة وأعتبر نفسي من الدرجة الثانية من ناحية الكلمات.واليوم لدينا فنانين كبار أمثال إدريس محمد علي وود قورت وود شيخ وهولاء الفنانين كلماتهم قوية وأفكارهم خصبة وأقول بكل صدق هذا التاج يجب أن يكون مع هولاء الفنانين لكي يوزعوه كيفما يشاءوا لان إمكانياتهم تؤهلهم لذلك.ولا أدري أي منهم أختار، ولو فرض عليّ الإختيار لأخترت الفنان/ إدريس محمد علي.

هناك الكثير من الفنانين الشباب الذين يملكون موهبة حقيقية ويحتاجون مساعدتكم في صقل تجاربهم الفنية ماذا تقول لهم؟

أولاً الموهبة تفرض نفسها ولاتحتاج الى المساعدة، اليوم الفن ليس كما الامس ، وفي ظل الاوضاع الحالية الفن أصبح له حريته الخاصة ولايوجد أحد يمكن ان يلوم أي شاب لأنه أصبح فنان، و الفنانون الشباب يحتاجون الى مساعدة طفيفة في إختيار كلماتهم وبعد إختيارهم الكلمات واللحن عليهم أن يعرضوا أعمالهم للفنانين الذين سبقوهم لكي يعبروا لهم عن رأيهم فيها ، وتلقي النصائح وتصحيح الأخطاء .واليوم المجال أصبح مفتوحاً للكل.

ماهي أصعب لحظات في حياتك الفنية؟

أصعب لحظاتي الفنية كانت داخل السجون الاثيوبية خاصة في مدينة دقي أمحري.

بعد هذه التجربة الطويلة في الفن كيف ترى أفاق الغناء بلغة التقري وماهي أهم المعوقات التي تحد من إنتشارها في تقديرك؟

الغناء بلغة التقري اليوم شهد تطوراً ملحوظاً وإيقاعات لغة التقري السبعة ومنها مثلاً”أسوميا-سسعيت-مرقدي..الخ”وهذه الإيقاعات أصبحت محببة للجميع.وكثيراً من أغنيات التقرنية أصبحت تلحن بلحن التقري، ولاتوجد الآن سواء في أسمرا أو خارجها حفلة لايوجد بها فنان يغني بلغة التقري ولغة التقري اليوم أصبحت توازي لغة التقرنية أما في السابق أنا كنت الوحيد الذي أغني بلغة التقري في فرقة آسمرا الفنية في وسط عشرين فنان وكنت أحاول أن أقدم أعمال بمستوى فني راقي .